إخوان الصفاء

277

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فاعلم أيها الأخ البارّ الرحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن الصنائع البشرية نوعان علميّة وعمليّة ، وتقدّم القول في العلميّة فيما تقدّم ، فنقول : أولا ما العلوم ؟ العلوم هي صور المعلومات في نفس العالم . واعلم يا أخي بأن العلم لا يكون إلّا بعد التعليم والتعلّم ، والتعليم هو تنبيه النفس العلّامة بالفعل للنفس العلّامة بالقوّة ، والتعلّم هو تصوّر النفس لصورة المعلوم . واعلم يا أخي بأن النفس انما تنال صور المعلومات من طرقات ثلاث ، إحداها طريق الحواس ، والأخرى طريق البرهان ، والأخيرة طريق الفكر والرويّة . وقد عملنا في كل واحدة منها رسالة ، فنريد أن نذكر الآن الصّنائع العملية فنقول : ان الصّنعة العمليّة هي إخراج الصانع العالم الصورة التي في فكره ، ووضعها في الهيولى . والمصنوع هو جملة مصنوعة من الهيولى والصورة جميعا ، وابتداء ذلك من تأثير النفس الكليّة فيها بقوة تأييد العقل الكلّي بأمر اللّه جلّ ثناؤه . واعلم بأن المصنوعات أربعة أجناس : بشرية وطبيعية ونفسانية وإلهيّة . فالبشريّة مثل ما يعمل الصّنّاع من الأشكال والنقوش والأصباغ في الأجسام الطبيعية ، في أسواق المدن وغيرها من المواضع . والمصنوعات الطبيعية هي صور هياكل الحيوانات ، وفنون أشكال النبات ، وألوان جواهر المعادن . والمصنوعات النفسانيّة مثل نظام مراكز الأركان الأربعة التي هي تحت فلك القمر ، وهي النّار والهواء والماء والأرض ، ومثل تركيب الأفلاك ، ونظام صورة العالم بالجملة . والمصنوعات الإلهية هي الصّور المجرّدة من الهيوليّات المخترعات من مبدع المبدعات ، تعالى ، وجودا من العدم ، ليس من ليس ، وشيء لا من شيء ، دفعة واحدة بلا زمان ، ولامكان ولا هيولى ، ولا صورة ولا حركة ، لأنها كلّها مبدعات الباري